الحق في الإضراب:
مقدمة:
تفرز الحياة العملية داخل المؤسسة بما فيها المؤسسات التربوية، منازعات وخلافات جماعية تقوم بين مجموع العمال والهيأة المستخدمة بشأن ترتيب الحقوق خاصة.
كما أن إخلال العامل بواجباته المهنية من شأنه أن يولد نزاعات فردية، عادة تتم تسويتها عن طريق التأديب. وفي جميع الحالات، فإنه يمكن أيضا اللجوء إلى القضاء لفض تلك النزاعات.
وما يهمنا هنا هو النزاع الجماعي والإضراب.

1- النزاع الجماعي:
يعد نزاعا جماعيا كل خلاف يتعلق بالعلاقات الاجتماعية والمهنية في علاقة العمل والشروط العامة للعمل، ولم يجد حسب وسائل اتقاء الخلافات الجماعية تسوية بين العمال والمستخدم باعتبارهما طرفين في نظام أحكام المادتين الرابعة والخامسة من القانون رقم 90-02 المتعلق بالوقاية من النزاعات في العمل وتسويتها، وممارسة حق الإضراب.
- وسائل انتقاء النزاعات المهنية:
نص القانون المذكور أعلاه والمعدّل بالقانون رقم 91-27 بتاريخ 21-12-1991 على انعقاد اجتماعات دورية بين المستخدم وممثلي العمال لدراسة وضعية العلاقات الاجتماعية والمهنية وظروف العمل العامة داخل المؤسسة لتفادي النزاعات. (المادة 4 مكرر من القانون)
كما جاء بمجموعة من الأطر التشريعية لفض النزاع وتتمثل في الوسائل التالية:
أ- المصالحة (La conciliation):
يقوم مفتش العمل بدور أساسي في التقريب بين وجهات نظر الأطراف، وله في ذلك صلاحيات واسعة. تنص المادة 6 مكرر المعدّلة بالقانون رقم 91-27 على ما يلي: "تقوم مفتشية العمل المختصة إقليميا التي يرفع إليها الخلاف الجماعي في العمل وجوبا بمحاولة المصالحة بين المستخدم وممثلي العمال. ولهذا الغرض يستدعي مفتش العمل المعين، طرفي الخلاف في العمل إلى جلسة أولى للمصالحة في أجل لا يتعدى أربعة (4) أيام الموالية للإخطار قصد تسجيل موقف كل طرف في كل مسألة من المسائل المتنازع عليها".
وبعد انقضاء مدة إجراء المصالحة التي لا تتجاوز ثمانية (8) أيام ابتداء من تاريخ الجلسة الأولى، يعد مفتش العمل محضرا يوقعه الطرفان، ويدون فيه المسائل المتفق عليها، تلك التي يستمر الخلاف بشأنها. وتصبح الأمور المتفق عليها نافذة من اليوم الذي يودعها الطرف الأكثر استعجالا لدى كتابة الضبط بالمحكمة العليا محليا.

ب- الوساطة (La médiation):
في حالة فشل المصالحة، يعدّ مفتش العمل محضرا بعدم المصالحة، ويلجأ الطرفان إلى الوساطة أو التحكيم. والوساطة هي إجراء يتفق بموجبه الطرفان على إسناد مهمة اقتراح تسوية ودية للنزاع إلى شخص من الغير هو الوسيط ويشتركان في تعيينه، ويتعين عليه التقيد بالسر المهني (م11 من القا 90-02).
تنص المادة 13: "يعرض الوسيط على الطرفين خلال الأجل الذي يحددانه اقتراحات لتسوية النزاع المعروض عليه على شكل توصية معللة، ويرسل نسخة من التوصية المذكورة إلى مفتشية العمل المختصة إقليميا".

ج- التحكيم (L'arbitrage):
وتبعا لما يسود من نشاط بالمؤسسة فإن لطرفي النزاع الحق في اللجوء إلى طريقة التحكيم طبقا لقواعد الإجراءات المدنية خصوصا المواد من 442 إلى 454 منها.
إلا أنه يجب مراعاة الأحكام الخاصة الواردة في القانون رقم 90-02 المنظم لممارسة حق الإضراب، ويصدر قرار التحكيم النهائي خلال الثلاثين (30) يوما الموالية لتعيين المحكمين، وهذا القرار يفرض نفسه على الطرفين الذين يُلزمان بتنفيذه.
- الأحكام التي تطبق على المؤسسات والإدارات العمومية:
تعد مؤسسات وإدارات عمومية في مفهوم هذا القانون، المؤسسات والهيآت العمومية ذات الطابع الإداري وكذلك الإدارات المركزية التابعة للدولة والولايات والبلديات.
- الوقاية من النزاعات الجماعية في هذه المؤسسات:
يجب أن تكون هناك اجتماعات دورية بين ممثلي العمال والموظفين والإدارة لدراسة وضعية العلاقات الاجتماعية والمهنية داخل هذه المؤسسة.
إذا اختلف الطرفان في كل المسائل محل الدراسة أو في بعضها، يرفع ممثلو العمال الأمور المستمر الخلاف فيها إلى السلطات الإدارية المختصة. وفي حالة عدم تسوية الخلاف، تستدعي السلطة السلمية العليا خلال الثمانية (8) أيام الموالية لإخطارها الطرفين إلى اجتماع المصالحة بحضور ممثلي السلطة المكلفة بالوظيفة العمومية ومفتشية العمل المختصة إقليميا.
(أنظر المواد من 16 إلى 19 من القانون رقم 90-02)
وعند نهاية إجراء المصالحة المنصوص عليه في المواد المشار إليها أعلاه لا يتجاوز مدة 15 يوما من تاريخ الاجتماع الأول للمصالحة تعّد السلطة السلمية العليا محضرا يوقعه الطرفان ويتضمن النقاط المتفق عليها إذا اقتضى الأمر. تتضمن المقترحات المقدمة إلى السلطة المكلفة بالوظيف العمومي، التي تتعلق بأشكال التكفل بالمسائل المستمر فيها الخلاف وكذا إجراءاته (المادة 20 من قانون رقم 90-02) وبموجب المادة 22 من نفس القانون يشكل المجلس المتساوي الأعضاء جهاز مصالحة في مجال الخلافات الجماعية داخل المؤسسات والإدارات العامة.
وفي حالة فشل كل هذه الطرق في تسوية النزاع، فإن للعمال والموظفين حق اللجوء في الأخير إلى الإضراب، مع ضرورة احترام شروط وحدود ممارسته، التي جاءت مقيدة للإضراب إلى حد ما نظرا لآثاره السلبية على المؤسسات والاقتصاد الوطني ككل. وحتى لا يخطي الإضراب إلى طريق مسدود، وضمانا للمصالح الحيوية للمجموعة، فإن القانون يلزم الطرفين بمواصلة المفاوضات، حيث تنص المادة 45 من ق 90-02 على أنه: "يجب على طرفي الخلاف الجماعي في العمل خلال فترة الإشعار المسبق وبعد الشروع في الإضراب، أن يواصلوا مفاوضاتهم لتسوية الخلاف الواقع بينهما".
ملاحظة1: إن المشرع لم يمنح المشرفين على المؤسسة العمومية اللجوء إلى الغلق، كوسيلة معهودة في مواجهة إضراب العمال إرغامهم على التفاوض والرضوخ إلى مطالب أصحاب العمل كما هو سائد في القطاع الخاص.
ملاحظة2: إن محضر عدم المصالحة يعد من الوثائق الجوهرية المكونة لملف الموضوع في حالة ما إذا طرح النزاع على المحكمة، حيث ترفض الدعوى شكلا إذا لم يقدم هذا المحضر في الملف.

- كيفيات ممارسة حق الإضراب:
1. الشروط العامة:
حتى يمارس الإضراب في إطار القانون، فإن المشرع قد قيد اللجوء بتوافر مجموعة من الشروط تتمثل في ما يلي:
أ- استيفاء جميع وسائل التسوية من مصالحة ووساطة وتحكيم.
ب- موافقة جماعة العمال: حيث أن اللجوء إلى الإضراب يكون بحضور نصف عدد العمال على الأقل في جمعية عامة وبموجب الأغلبية المطلقة وبالاقتراع السري. (المادة 27 معدّلة بالقانون رقم 91-27 المؤرخ 21-12-1991 والمادة 28 من ق رقم 90-02).
ج- انتهاء أجل الإشعار المسبق الذي يجب أن لا يقل عن ثمانية (8) أيام ابتداء من تاريخ إيداعه لدى المستخدم.
تنص المادة 29 على أنه: "يشرع في الإضراب المتفق عليه، حسب الشروط المنصوص عليها في المادتين 27 و28 أعلاه لدى انتهاء أجل الإشعار المسبق...".
المادة 30: "تحسب مدة الإشعار المسبق بالإضراب ابتداء من تاريخ إيداعه لدى المستخدم وإعلام مفتشية العمل المختصة إقليميا، تحدّد هذه المدة عن طريق المفاوضة ولا يمكن أن تقل عن ثمانية (8) أيام ابتداء من تاريخ إيداعه".
المادة 31: "يلزم المستخدم وممثلو العمال بمجرد إيداع الإشعار المسبق بالإضراب، باتخاذ التدابير اللازمة لضمان المحافظة على المنشآت والأملاك وضمان أمنها، ويعين الطرفان العمال الذين يتكفلون بهذه المهام".
2. حماية حق الإضراب:
ضمانا لفعالية الإضراب، فقد نظم المشرع الآثار المترتبة على ممارسة حق الإضراب سواء بالنسبة للعامل أو بالنسبة للمؤسسة المستخدمة التي تتكفل بضمان الحدّ الأدنى من الخدمة.
أ- بالنسبة للعامل: تنص المادة (33) من القانون 90-02 على أنه: "يمنع أي تعيين للعمال عن طريق التوظيف أو غيره قصد استخلاف العمال المضربين، ما عدا حالات التسخير الذي تأمر به السلطات الإدارية أو إذا رفض العمال تنفيذ الالتزامات الناجمة عن ضمان القدر الأدنى من الخدمة المنصوص عليه في المادتين 39 و40 أدناه. كما أنه لا يمكن تسليط أية عقوبة على العمال بسبب مشاركتهم في إضراب قانوني شرع فيه وفقا لشروط المنصوص عليها في هذا القانون".
المادة 33 مكرر وهي مضاعفة وتعوض المادة 26 طبقا للقانون رقم 91-27 المؤرخ في 21-12-1991. تنص هذه المادة على ما يلي: "يشكل التوقف الجماعي عن العمل الناتج من النزاع الجماعي بمفهوم المادة 2 أعلاه، والذي يحدث خرقا لأحكام هذا القانون خطأ مهنيا جسيما يرتكبه العمال الذي شاركوا فيه، ويتحمل المسؤولية الأشخاص الذي ساهموا فيه بنشاطهم المباشر. وفي هذه الحالة يتخذ المستخدم تجاه العمال المعنيين الإجراءات التأديبية المنصوص عليها في النظام الداخلي، وذلك في إطار التشريع والتنظيم المعمول بهما.

3.عرقلة حرية العمل:
كما أن العمال ملتزمون تجاه المؤسسة بعدم عرقلة حرية العمل، وعدم احتلال المحلات المهنية للمستخدم بهدف عرقلة تلك الحرية كما يشكله ذلك من أخطاء مهنية جسيمة تقتضي اتخاذ العقوبات التأديبية الملائمة، دون المساس بالعقوبات الجزائية. حيث تنص المادة 34 على ما يلي: "يعاقب القانون على عرقلة حرية العمل. ويعد عرقلة لحرية العمل كل فعل من شأنه أن يمنع العامل أو المستخدم أو ممثليه من الالتحاق بمكان عملهم المعتاد، أو يمنعهم من استئناف ممارسة نشاطهم المهني أو من مواصلته بالتهديد أو المناورات الاحتيالية أو العنف أو الاعتداء".
أما المادة 35 فتنص: "يمنع العمال المضربون من احتلال المحلات المهنية للمستخدم، عندما يستهدف هذا الاحتلال عرقلة حرية العمل وفي هذه الحالة يمكن إصدار أمر قضائي بإخلاء المحلات بناء على طلب المستخدم".
المادة 36 "تشكل عرقلة حرية العمل، كما يشكل رفض الامتثال لتنفيذ أمر قضائي بإخلاء المحلات المهنية خطأ مهنيا جسيما، دون المساس بالعقوبات الجزائية".
- توفير الحد الأدنى من الخدمة:
ينظم قدر أدنى من الخدمة الإجبارية في المجالات الحيوية، فإذا كان الإضراب يضر باستمرار المرافق العمومية الأساسية، يتعين تنظيم مواصلة الأنشطة الضرورية في شكل قدر أدنى من الخدمة بصورة إجبارية، كما نصت على ذلك المادتان 38 و39 من القانون المنظم لحق الإضراب (90-02). وقد أضيفت الفقرة 15 للمادة 38 بالقانون رقم 91-27 المؤرخ في 21-12-1991 خاصة بامتحانات التعليم الثانوي وجاءت كما يلي: "الأنشطة المرتبطة بامتحانات التعليم الثانوي ذات الطابع الوطني، وذلك طول فترة إجرائها".
ويعد رفض العامل المعني للقيام بالحد الأدنى من الخدمة المفروض عليه خطأ مهنيا جسيما بكل ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية ومنها الفصل .


خلاصة:
لقد عمل المشرع على تقييد حق اللجوء إلى الإضراب، وبذلك عندما نص على التدابير والشروط اللازمة لممارسة هذا الحق ولضمان فعاليته، نظم الآثار المترتبة على ممارسته، سواء بالنسبة للعامل، إذ قرّر حماية على حق الإضراب أو بالنسبة للهيأة المستخدمة عندما أجبرها على التكفل بضمان الحدّ الأدنى من الخدمة.كما أقر أحكاما جزائية على كل من يقوم بمخالفة أحكام هذا القانون.