ثمة اتفاق شبه إجماعي اليوم على أن الفساد يُسبب أضراراً غير مقبولة وان التقصير في معالجته تصرّف غير مسؤول. فبسبب ضغط المجتمع المدني، المؤلف من منظمات غير حكومية، ومن منظمات لا تبغي الربح ومستقلة، قامت الحكومات والمؤسسات الدولية بعقد اتفاقيات لمكافحة الفساد، والتزمت القيام بأمور أخرى لتحسين نظام الحكم والمساءلة. سوف يظل دور المجتمع المدني مركزياً لأجل تحويل هذه الالتزامات إلى وقائع، كما أن مستقبل آجندة مكافحة الفساد سوف تتوقف على إيجاد تعهدات أعمق من جانب المجتمع المدني، والتأكد من أنه يملك القدرات الفنية والموارد المالية، وإمكانية الوصول إلى المعلومات، والمساحة
السياسية المحميّة لتنفيذ رقابته الأساسية ودوره المناصر. نانسي بوزويل ه عضو في مجلس إدارة جمعية ترانسبيرنسي إنترناشنال، والمديرة التنفيذية الرئيسية لترانسبيرنسي إنترناشنال – الولايات المتحدة، فرع الولايات المتحدة. ترانسبيرانسي إنترناشنال شبكة من منظمات المجتمع المدني في أكثر من 90 بلداً تعمل مع الحكومات، والمؤسسات الدولية، والقطاع الخاص للحدّ من الفساد والرشاوى.
***
في مطلع التسعينات من القرن الماضي، أطلقت احتجاجات المواطنين ضد الحكومات والشركات الفاسدة بداية حركة مكافحة الفساد. آنذاك، لم يكن هناك سوى القليل من التفهم للمدى الكامل للأضرار التي يُسببها الفساد وكان هناك تقبّل ضمني لحتميته. فالتفهم الواسع الانتشار أن الفساد يُعيق التنمية، ويشوّه المنافسة، ويحرم الفقراء من الوصول إلى الخدمات الأساسية، ويخلق المخاطر للأمن السياسي والشخصي، هذا التفهم حديث العهد نسبياً.مثلاً، وبعد عقود من الإنكار، اعترف البنك الدولي تحت رئاسة جيمس وولفنسون آنذاك، أن الفساد هو العقبة
الفردية الأكبر بوجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي بوجه الحدّ من الفقر. اليوم، تقوم الاستراتيجية الحالية للبنك حول نظام الحكم ومكافحة الفساد بوصف الألوف المؤلفة من الطرق التي يُلحق فيها الفساد الأضرار بالاقتصاد والحياة السياسية، وبنوع خاص الفقراء:

لا يستطيع الناس الفقراء حول العالم الوصول، على أساس يومي، إلى العيادات الصحية، والمدارس، أو الخدمات الأساسية الأخرى لأن أنظمتهم العامة غير متجاوبة، أو لأنهم لا يستطيعون أو لا يريدون دفع الرشاوى. فالفساد وأنظمة الحكم الضعيفة يعنيان، في أحيان كثيرة، ان الموارد التي يجب أن تُغذي محرك
النمو الاقتصادي وتخلق الفرص للفقراء للخلاص من الفقر، تغني بدلاً من ذلك النُخب الفاسدة. في بعض الحالات، ساهم نظام الحكم البالغ السوء والفساد في الانهيار المالي والاقتصادي، وفي نفور الجمهور، بل وحتى في العنف والدول الفاشلة، مع عواقب كارثية بالنسبة للفقراء.تعزيز العمل على الأرض مع الموافقة شبه الإجماعية على الأضرار التي يُسببها الفساد، اتخذت الحكومات تشكيلة من المبادرات لتحسين الحكم. لكنها كانت بطيئة في إدراك الدور الحيوي للمجتمع المدني ودعمه للتأكد من تحقيق هذه المبادرات لأهدافها.مثلاً، وافقت الحكومات في الأميركيتين على ميثاق إقليمي ضد الفساد سنة 1996، لكن مضت بعد ذلك عدة سنوات قبل أن يوافق الفرقاء المشاركون في ميثاق المجموعة الأميركية (إنتر أميركان) لمكافحة الفساد، وبِحَضّ من منظمات المجتمع المدني بقيادة ترانسبيرانسي أنترناشنال، على آلية متابعة لتعزيز التطبيق. منذ إنشاء الآلية، حثّ المجتمع المدني الفرقاء لأجل الحصول على فرص أوسع فأوسع لعرض وجهات نظره وللمشاركة مع الحكومات في تعزيز التطبيق. واستطاع بفضل هذه الفرص تأمين رؤية أساسية غير حكومية وتقديم الزخم للإصلاح. لعب المجتمع المدني دوراً مماثلاً في مراجعة فرض التطبيق الذي قام به ميثاق منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حول رشوة الرسميين الحكوميين الأجانب، ومواثيق المجلس الأوروبي لمكافحة الفساد، ومجموعة دوله المضادة للفساد.من الواضح من خلال هذه وغيرها من مواثيق مكافحة الفساد، أن المجتمع المدني يلعب دوراً أساسياً في
تعزيز العمل الميداني. ميثاق الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، الذي صادقت عليه 80 بلداً لغاية هذا التاريخ، يمتلك طاقة كامنة هائلة لخلق إطار عمل عالمي وقومي للإصلاح. غير أن التجارب مع المواثيق الأخرى تُظهر بوضوح أن ميثاق الأمم المتحدة سوف يحتاج إلى عملية متابعة فعلية لتعزيز التطبيق. فكما أشارت إلى ذلك ترانسبيرانسي إنترناشنال في توصياتها إلى مؤتمر فرقاء الدول، أن المكوّن الأساسي لمثل هذه العملية سوف يكون الشفافية والفرص الواسعة والموثوقة لمشاركة المجتمع المدني.

تأمين مساءلة الحكومة

طور البنك الدولي وبنوك التنمية الأخرى، خلال السنوات الأخيرة، استراتيجيات لمكافحة الفساد، وهي في طريقها إلى إدراك أهمية المجتمع المدني في مطالبته بالمساءلة الحكومية وتأمينها. لكن كون هذه المؤسسات مصارف تشترك معها الحكومات كمساهمين، لا زالت تكافح لإيجاد السبل للانخراط بنشاط أكبر مع المجتمع المدني، ولتعزيز مثل هذا الانخراط من جانب الحكومات نفسها. فوفقاً لاستراتيجية البنك نفسها، "فإن إحدى الأولويات الأساسية تكمن في مساعدة الدول لكي تصبح أكثر شفافية عن طريق تسهيل المشاركة والإشراف الواسع النطاق من جانب المنظمات المدنية ووسائل الإعلام. فالمواطنون ووسائل الإعلام المتاح لها الوصول الواسع إلى المعلومات حول عمليات مؤسسات الدول، يشكلان عنصران أساسيان لمساءلة تلك الدول."

وفي حين أن هذا المبدأ صريح، ولا يدع مجالاً للجدل، فان الشفافية وفرص المشاركة لا تزال صعبة المنال في العديد من البلدان. أضف إلى ذلك أن قدرات المؤسسات المتعددة الأطراف محدودة بالإرادة السياسة لأعضاء هذه المؤسسات. مثلاً، قواعد صندوق النقد الدولي حول الممارسات الجيدة والشفافية المالية أو "القواعد" تعلن بصورة ملائمة أن نشر المعلومات المالية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالموازنات والمشتريات، هي واجب حكومي وانه يجب أن يتم في الوقت المناسب مع تسهيل الوصول اليها. لكن، لا تلتزم كل الحكومات هذه الممارسة، وتحتفظ جميعها بحق رفض نشر التقارير عن امتثالها لهذه "القواعد" على الرغم من الجهود التي تدعوها إلى عكس ذلك .

من الجدير بالذكر أن "القواعد" تدرك بأن توجيه اهتمام خاص للشفافية أمر أساسي في مجال الموارد الطبيعية والصناعات الاستخراجية لأن هذه القطاعات مُعرضة بنوع خاص للفساد. لا تحتاج الدول الغنية بالموارد إلى الاعتماد على عامة الناس لتأمين وارداتها. كما انه تبين تاريخياً، ان تلك الدول التي كانت الأقل تقبّلاً لمفاهيم الشفافية والمساءلة كانت بين الدول الأكثر فقراً على الرغم من ثرواتها الطبيعية. تدعو "القواعد" إلى "ترتيبات تعاقدية واضحة وشفافة" وتشدد على الحاجة إلى الرقابة العامة للعمل الحكومي، ومنح الامتيازات، والوسائل الأخرى لاستثمار الأصول العامة.

هذا المبدأ يُشكِّل الأساس لمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية التي تسعى إلى زيادة شفافية المدفوعات والإيرادات من النفط والغاز والتعدين. فوفقاً للمملكة المتحدة التي أطلقت المبادرة سنة 2002، "فإن زيادة الشفافية ومعرفة العائدات سوف تقوّيان المواطنين والمؤسسات في مساءلة الحكومات. ان سوء إدارة أو تحويل الأموال عن التنمية المستدامة سوف يصبحان أكثر صعوبة".

الذي يؤكد ذلك، والتشكيلة المتنامية من مبادرات الشفافية ومكافحة الفساد، هو إدراك المملكة المتحدة بان "دور المجتمع المدني سوف يكون حيوياً بأهميته من حيث استخدام المعطيات التي تكشفها الحكومات لمساءلتها عن إنفاقاتها".

الإيفاء بالوعد لكن، ورغم كون الشفافية وفرص المشاركة والرقابة للمجتمع المدني ضروريين، إلا أن هناك افتراضاً بأنه، متى حقق المجتمع المدني ذلك، سوف يملك القدرة على القيام بوظائفه الحيوية. وعلى الرغم من الجهود الرامية إلى تعزيز القدرة الفنية والمالية الحكومية، فان الجهود المماثلة لدعم المجتمع المدني، بالمعنى الأوسع، لا تزال بعيدة عن حجم النطاق المطلوب. فثمة مزيد من العمل الضروري في الميادين التالية:

* الشفافية في الوظائف الحكومية، وصنع القرارات، والنفقات؛ الوصول إلى المعلومات، بما في ذلك الوصول

غير المُقيّد إلى الإنترنت؛ وفرص المشاركة والتعليق يجب ان تصبح مؤسساتية ومُزوّدة بصورة روتينية.

* التدريب اللازم لكي يتمكن المجتمع المدني، ومن ضمنه المنظمات المدنية، والجمعيات المهنية، ووسائل الإعلام، من استخدام المعلومات بصورة فعالة.

* التدريب هام أيضاً لتعزيز الحكم الصالح والشفافية والمساءلة داخل المنظمات المدنية.

* الموارد المالية، بدون قيود سياسية، ضرورية لتمكين المجتمع المدني من القيام بوظائفه: جمع المعلومات، وتثقيف الناس، وبناء التحالفات، والاستفادة من مستوى الخبرات المطلوبة لتحليل المعلومات مثل عائدات الصناعات الاستخراجية، والموازنات القومية، والمشتريات العامة.

* منظمات المجتمع المدني المسؤولة يجب ان تكون حرة في التنظيم والخطاب العام، دون حظر قانوني يقيد قدرتها في العمل أو في تأمين التمويل من مصادر قانونية.

* نشطاء المجتمع المدني المنخرطون في الإشراف، ومن ضمنهم وسائل الإعلام، يجب حمايتهم من دعاوى القدح والذم، ومن تهديدات العنف، والتوقيف.

سوف يساعد الاهتمام بهذه القضايا في التأكد من ان المجتمع المدني يَفي بوعده. حتى ان هذا الأمر هام أكثر في البلدان حيث أن المصالح المكتسبة المتحصنة بعمق، أي مصالح الفاسدين، والذين يفسدونهم، والذين يسهلون الفساد، تجعل جهود المجتمع المدني أكثر ضرورة وأكثر صعوبة. مع الإشارات الكثيرة عن المقاومة الحكومية، بل وحتى العداء المكشوف للحقوق الديمقراطية الأساسية في عدد متنامٍ من البلدان، حان الوقت لكي يقدم جميع أصحاب المصلحة في المجتمع الدولي، الدعم للمجتمع المدني. وسوف يساعد ذلك في تأمين الحافز المحلي اللازم للإصلاح الفعال والمستدام.

بقلم نانسي بوزويل